الرجوع على المطور العقاري بالتعويض عن العيوب

22 سبتمبر 2025

الرجوع على المطور العقاري بالتعويض عن العيوب

مقدمة

يُعد التمويل العقاري من أبرز الوسائل التي يسّرت تملك المساكن، إلا أن هذا النوع من العقود أفرز إشكالات عملية تتعلق بمسؤولية ضمان سلامة العقار عند ظهور العيوب، ففي ظل توحيد صيغة عقود التمويل العقارية من قبل البنك المركزي السعودي «ساما»، ومع حاجة الناس ورغبتهم في تملك المساكن بالتمويل، ظهرت مشكلة أساسية في صلب الموضوع، وهي أنه في حالة ظهور عيوب في العقار الذي تم شراؤه بالتمويل، فهل يعود المتضرر (طالب التمويل) بالمطالبة على المطور أو جهة التمويل؟

صورة المسألة

إذا رغب شخص بشراء عقار بالتمويل فإنه وبعد تحديد العقار يتوجه للبنك ليطلب منه التمويل لشراء العقار، يأخذ البنك عليه وعدًا بالشراء ثم يتوجه للمطور العقاري ويشتري العقار منه -فيكون البنك هنا مشتريًا للعقار-، وبعد تملك العقار من قبل البنك فإنه يوقع عقد بيع بالتمويل مع طالب التمويل لشراء العقار -فيكون البنك هنا بائعًا للعقار-، فإذا ظهر عيب في العقار بعد تملكه بالتمويل، يكون التساؤل: هل تُقام دعوى التعويض على البنك باعتباره البائع المباشر للعميل، أم على المطور العقاري بصفته البائع الأول وصاحب الالتزام الأصلي بضمان سلامة المبيع؟

سبب كتابة المقال

زار الشركة أحد العملاء وقد تضرر من عيوب إنشائية في العقار المشترى بالتمويل وقد سبق له إقامة دعوى قضائية بالتعويض عن الضرر ضد البنك الذي تم شراء العقار منه إلا أنه تم رد الدعوى بسبب وجود بند في عقد الشراء بالتمويل بين البنك وبين العميل بـ«البراءة من كل عيب»، وقد استقر القضاء -وهو قرار المحكمة العليا- على جواز هذا البند والعمل به.

إقامة الدعوى

بعد دراسة الموضوع وتفحص العقود (بين البنك والمطور العقاري، وبين العميل والبنك) والتشاور مع فريق عمل الشركة توجهنا إلى إقامة دعوى التعويض عن الضرر ضد المطور العقاري (البائع الأول)، وقد أثبتنا انعقاد الصفة له من خلال عدد من الأوجه -وسيأتي بيانها لاحقًا-، ويقصد بالصفة في الدعوى: «أن تكون الدعوى والدفع من صاحب الحق أو من يقوم مقامه، فيُشترط كون الدعوى من الطلب والدفع لصاحب الحق المباشر، سواء أكان مُدَّعِيًا أم مُدَّعَى عليه أم متداخلًا».

أوجه توجيه الدعوى ضد المطور العقاري

تنعقد الصفة للمطور العقاري (البائع الأول) في الدعوى من خلال عدد من الأوجه، وأبرزها:

أولًا: نظام المعاملات المدنية

كفل نظام المعاملات المدنية للخلفاء حق الرجوع بالالتزامات على الطرف الأول، والخلَف الخاص كما عرفه فقهاء القانون: هو من تلقى حقًّا معينًا بالذات كان قائمًا في ذمة سلفه ثم انتقل منها إليه، كمن يشتري منزلًا أو منقولًا معينًا، ويستوي في ذلك أن يكون الحق الذي يؤول إلى الخلف الخاص حقًا عينيًا أو حقًا شخصيّـًـا، ففي هذه الحالة يكون مشتري العقار من البنك هو الخلف الخاص له، ومن أبرز المواضع الدالة على كفالة النظام لهذا الحق ما يلي:

  • جاء في الفقرة الثانية من المادة الثامنة والتسعين من نظام المعاملات المدنية على: «إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقًا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص، فإن هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إليه في الوقت الذي ينتقل فيه ذلك الشيء ..».
  • كما نصّت المادة التاسعة والتسعون من نظام المعاملات المدنية على أنه: «لا يرتّب العقد التزامًـا في ذمة الغير، ولكن يجوز أن يُكسبه حقّـًا»، وقد أكدت ذلك المادة الحادية والأربعين بعد المائتين من ذات النظام فيما يتعلق بانتقال الالتزام فنصت على أنه "ينتقل الحق إلى المحال له بصفاته وتوابعه وضماناته".

وهو ما نص عليه العقد المبرم بين البنك والمشتري طالب التمويل إذ أكسب المشتري حق الرجوع بالعيوب على المطور العقاري -وسيأتي بيانه في الوجه الثاني-.

ثانيًا: الصيغ المصرفية الحديثة لعقد شراء العقار بالتمويل

طوّرت البنوك في السنوات الأخيرة من صيغ عقود التمويل العقاري بشكل يعكس استيعابًا قانونيًا متقدمًا للإشكاليات التي ظهرت في الواقع القضائي، وإدراكًا متزايدًا لمسؤولية المطور العقاري تجاه خلفاء البنك، وعلى رأسهم طالب التمويل، مما يعزز قابلية رجوع المشتري المتضرر مباشرةً على المطور العقاري، ومن ذلك:

  • نصّت المادة الثالثة عشرة من عقد البنك مع طالب الشراء بالتمويل في الفقرة الرابعة على أنه: «لا يؤثر توقيع المستفيد على الشهادات المشار إليها أعلاه على حقه في مطالبة البائع الأوّل للأصل المموّل الذي اشترى منه المموّل الأصل أو المطوّر العقاري بتعويضه عن العيوب الفنية أو الهيكلية الظاهرة أو الخفيّة في الأصل المموّل».
  • وبذات المعنى نصّت المادة الثالثة والعشرين من عقد البنك مع طالب الشراء بالتمويل في الفقرة الثانية: «يحقّ للمستفيد حال ظهور عيب في الأصل المموّل مطالبة المطوّر العقاري أو بائع الأصل المموّل الأول الذي اشترى منه المموّل الأصل بإصلاح ذلك العيب أو تعويضه عنه».

وقد قبل القاضي الدعوى وأقر صفة المطور العقاري كمدعى عليه، وأقر ما احتججنا به وأوردناه من وجوه إثبات الصفة، وتم الحكم لصالح العميل المتضرر بالتعويض عن العيوب وتم تأييد ذلك من محكمة الاستئناف ولله الحمد والمنة.

الخاتمة والتوجيه القانوني

يتضح مما سبق أن المطوّر العقاري (البائع الأول) هو صاحب الصفة في دعاوى التعويض عن العيوب، ولو كان التعامل المباشر في عقد التمويل مع البنك.

وبذلك فإن الطريق النظامي الصحيح للمتضررين هو رفع الدعوى ابتداءً على المطور العقاري، تأسيسًا على أحكام نظام المعاملات المدنية وما تضمنته عقود التمويل ذاتها.

تواصل معنا

WhatsApp Icon